عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
252
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
شطه ، لا يستقرّ بهم قرار في وسطه ، وليس في هذا البحر من السكان سوى دوابه والحيتان . وأما البحر الأخضر ، فإنه مرّ المذاق ، معدن الهلاك والإغراق ، يوصف عند العلماء به بخير الصفات ، ويوسم عند عارفيه بأحسن السمات ، ليس فيه حوت ومن يركبه يموت ، رأيته وعلى ساحله مدينة مطمئنة أمينة ، هي المدينة التي وصل إليها الخضر وموسى ف اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما « 1 » وذلك لأنهما لبسا ثياب الفقراء ، وتلك البلدة لا يمكن أن يأكل طعامها إلا الملوك والأمراء ، ثم إني رأيت أهلها مشغوفين بركوب هذا البحر ، ومتعلقين بحبّ هذا الأمر ، حتى أنهم يجتمعون في رأس كلّ سنة ، وهو يوم عيدهم ، فيركبون على نجائب متلوّنة بكل لون ، فأخضر وأحمر وأصفر وغير ذلك ، ويشدّون نفوسهم عليها ، ويربطون عصابة على أعين النجب ، ثم يقرّبونها إلى جانب البحر ، فمن سار به نجيبه إلى البحر هلك هو والنجيب ، ومن أخذ به مركبه عن البحر صفحا فإنه يرجع حيا ، ولكنه في نفسه كالخائب والمردود ، وكالمهجور والمطرود ، فلا يزال يقتني نجيبا آخر ويربيه ويطعمه إلى دور السنة ، ثم يفعل ما فعل في العام السابق إلى أن يتوفى في البحر تعشقا منهم للبحر ، كما تتعشق الفراشة بنور السراج ، فلا تزال تلقي بنفسها فيه إلى أن تفنى وتهلك فيه . وأما البحر السابع فهو الأسود القاطع ، لا يعرف سكانه ، ولا يعلم حيتانه ، فهو مستحيل الوصول غير ممكن الحصول ، لأنه وراء الأطوار وآخر الأكوار والأدوار ، لا نهاية لعجابه ، ولا آخر لغرائبه ، قصر عنه المدى فطال ، وزاد على العجائب حتى كأنه المحال ، فهو بحر الذات الذي حارت دونه الصفات ، وهو المعدوم والموجود والمرسوم والمفقود والمعلوم والمجهول والمحكوم والمنقول والمحتوم والمعقول ، وجوده فقدانه ، وفقده وجدانه ، أوّله محيط بآخره ، وباطنه مستور على ظاهره ، لا يدرك ما فيه ، ولا يعلمه أحد فيستوفيه ، فلنقبض العنان عن الخوض فيه والبيان « واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل » وعليه التكلان . الباب الثالث والستون : في سائر الأديان والعبادات ، ونكتة جميع الأحوال والمقامات اعلم أن اللّه تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته ، فهم مجبولون على ذلك ، مفطورون عليه من حيث الأصالة ، فما في الوجود شيء إلا وهو يعبد اللّه تعالى
--> ( 1 ) آية ( 77 ) سورة الكهف .